ابن حزم

486

الاحكام

بعبثه فيها ، لا بصلاته إلى غير القبلة ، ولأن الائتمار إنما يكون بعد العلم بالامر اللازم له لا قبل ، ولا تكون طاعة أصلا إلا بنية وقصد إلى عمل بعد ما أمر به علمه بأنه لازم له ، وإلا فهو عبث ، لا يسمى ذلك في اللغة طائعا أصلا ، ولكتب عليه اسم المستسهل للصلاة إلى غير القبلة ، ومثاله الآن : بينما رجل في صحراء أداه اجتهاده إلى جهة ما فخالفها متعمدا ، فوافق في الوجهة التي صلى إليها إن كانت القبلة على حق ، فهذا عابث في صلاته فاسق ، وليس مصليا إلى غير القبلة . قال أبو محمد : كذلك كانت صلاة أهل قباء ، ومن كان بأرض الحبشة إلى بيت المقدس صلاة تامة ، وإن كان النسخ قد وقع بالقبلة إلى الكعبة على من بلغه لأنهم لم يعلموا ذلك ، ولكن أجرهم على صلاتهم كذلك أجران ، وأما من بلغه ذلك ثم نسيه ، أو تأول فيه فأجرهم على صلاته كذلك أجرا واحدا لأنهم مجتهدون أخطؤوا ما عند الله عز وجل ، وهم مأمورون باستقبال الكعبة ، ولكنهم غير ملومين ولا آثمين في ترك ذلك ، لأنهم معذورون بالجهل ، وهذا بين وبالله تعالى التوفيق ، وليس كذلك أهل قباء ، ومن كان بأرض الحبشة ، لأن فرضهم البقاء على ما بلغهم ، حتى ينتقل بلوغ النسخ إليهم . قال أبو محمد : وقد تبين بهذا ما قلناه في غير موضع من كتابنا ، أن المخطئ أفضل عند الله من المقلد المصيب ، وكذلك قلنا في جميع العبادات ، فإن سأل سائل عن قولنا في الوكيل يعزله موكله أو يموت ، فينفذ الوكيل ما كان وكل عليه بعد عزله ، وهو يعلم أنه معزول ، أو بعد موت الذي وكله وهو لا يعلم بموته قلنا له ، وبالله تعالى التوفيق : قال الله عز وجل : * ( ولا تكسب كل نفس إلا عليها ) * . وقال صلى الله عليه وسلم : د ماؤكم وأموالكم وأعراضكم وأبشاركم عليكم حرام فكل أمر أنفذه الوكيل بعد عزله وهو غير عالم فنافذ ، لان عازله ولا يعلمه مضار ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : من ضار أضر الله به فهو منهي عن المضارة . وأما ما أنفذ بعد موت موكله - وهو عالم أو غير عالم - فهو مردود منسوخ ، لأنه كاسب على غيره بغير نص ولا إجماع ، ولا يجوز القياس أصلا ولكل حكم حكمه ، وليست هذه الأمور بابا واحدا فيستوي الحكم فيها ، إلا أن يكون وكله على دفع وديعة أو دين أو حق لآخر فهذا نافذ ، عزله أو علم الوكيل أنه عزله أو أنه مات ، أو لم يعلم